جمعية الاخوين لوميير للسينما

Association Frères Lumière du Cinéma
 
الرئيسيةالرئيسية  البوابةالبوابة  مكتبة الصورمكتبة الصور  اليوميةاليومية  س .و .جس .و .ج  بحـثبحـث  التسجيلالتسجيل  المجموعاتالمجموعات  دخول  

شاطر | 
 

 امرأة من سلالة الشيطان ج4

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
Admin
Admin


المساهمات : 608
تاريخ التسجيل : 23/11/2007

مُساهمةموضوع: امرأة من سلالة الشيطان ج4   الأحد مارس 16, 2008 10:26 am

كررت جدتي على مسمعنا مرارا، قبل أن تفسر موت عياش الملغز؛ نظرت يمينا وشمالا لتتحقق من عدم وجود أّذن أجنبية يمكن أن تلتقط الخبر وتذيعه، ثم قالت:
- مات مقتولا، دسّوا آلته الموسيقية في دُبُره !
ألقت بهذه الجملة مثل رصاصة، ثم شرعت تحكي التفاصيل: «تقرب إلى بنت حديثة عهد بالزواج إلى أن حامت حولهما الشبهاتُ، قرَّرها أهل الزوج العروسَ فأقرت بالخيانة، أمروها بضرب موعد معه واحتضانه في الفراش كالعادة، فضربت العروسُ موعدا لعياش، وما أن شرع في قطاف الزهرة الصغيرة حتى قام ثلاثة رجال من تحت السرير وهم يحملون «كمبري» نسخة طبق الأصل من «كمبري» عياش، وخلعوا أعواد تسوية الأوتار، ثم دسّوا العصا في إسته، مسكين...
- قتلوني يا أختي قتلوني، هذا سر موتي، لا تخبري به أحدا !
كررت جدتي على مسمعنا مرارا ، بمزيج من الأسى والافتخار والخوف، وهي تنظر يمينا وشمالا لتتحقق من عدم وجود أّذن أجنبية يمكن أن تلتقط الخبر وتذيعه: أسى المصير المؤلم للمغني الذي كان يخلد أفراح العائلة في كل الحفلات؛ الافتخار بكونها الوحيدة التي تعلم سر الموت الملغز للمغني؛ ثم الخوف من أن تتكرر الحكاية مع أحدنا عندما نكبر.
في ركن أخبار الجريمة، أوردت صحيفة واسعة الانتشار نص الخبر التالي تحت عنوان: «إلقاء القبض على زوجين احترفا النصب»:
«ألقت شرطة مدينة مراكش القبض على زوجين ابتكرا طريقة ذكية لابتزاز الضحايا، إذ كانت الزوجة تعمد إلى التجمل والتعطر واترداء ملابس مثيرة، ثم تخرج إلى الشارع للإيقاع بالمتحرشين، بينما يراقبها زوجها من بعيد. وبمجرد ما تقف سيارة تستجيب الزوجة للنداء، فتركب وتستدرج صاحب العربة إلى ضواحي المدينة، فتمكنه من تقبيلها ولمس أجزاء من جسدها، وبمجرد ما يتهيؤ للجماع تقف سيارة أخرى، فيخرج الزوج ويشهر مسدسا متظاهرا بضبط الإثنين في حالة تلبس، ويستعد لسوق الإثنين إلى أقرب مكتب للشرطة، فلا يجد الضحية بدا من الدخول في مفاوضات مع الزوج تنتهي بتسليم كل ما يحمله معه من أموال، وإن لم يكن معه مال فإنه يضطر لدفع السيارة فدية عن جريمته. وما كان النصابان ليقعا في يد العدالة لولا أن الضحية الأخيرة كان ضابطا في سلك الشرطة».
ها هما يخرجان من المكتبة، بوجهين بشوشين، حياني الزائرُ بتحية البداية نفسها: نظرة غامضة، وابتسامة أميل إلى فغر الفاه منها إلىالانشراح، ثم اختفى الغريب ليصير حدث وجوده مثل حلم كابوسي.
التحقتْ مُجددا بالسرير، وهيأتْ لي على نحو ما كانت هيأت من قبل، لكن هيهات، ثم هيهات! فقد انقرضت الرغبة فجأة بداخي انقراضا؛ انقبض شأني، أجهدتُ نفسي في الظفر ولو بنصف معلومة عما راج بينهما في المكتبة كنها صدت أسئلتي دائما بالجواب الصارم نفسه:
- لم نتبادل شيئا ذا فائدة !
انتابتني شكوك في الحكاية كلها، منذ معرض السفارة حتى الآن، أيقنتُ أن شيئا ما يُدبَّرُ لي في الخفـاء. وماذا كان بوسعي أن أفعل غير هذا، لا سيما أنني سأفيق في الصبح الموالي على الطرقات نفسها وعلى الرجل نفسه، وقد جاء هذه المرة حاملا إكليلا من الزهور أحسن اصطفاءها وقدمها لنا كما تُقدَّم الهدية لعروسين؟
في الليل، حلمتُ حلما مرعبا، لم أفطن على إثره إلا وأنا منتفض في الفراش، أحملق في الظلام وأنا أصرخ: «ماما ! ماما !» وسليلة الشياطين تحيطني بذراعيها؛ أغرقتني بالقبلات وخصلات شعرها المخملية تتحرك في صفحة وجهي مثل يد أم حنون، وهي تقول:
- باسم الله عليك ! باسم الله عليك !
خلافا لليالي السابقة، أفقتُ اليومَ في الفجر، مثل عجوز مواظب على أوقات الصلاة، لازمتُ الفراش متظاهرا بأنني نائم، كي لا تفطن بي النائمة بجانبي وتركبني مجددا فوق أرجوحتها التي نجحتْ ليلة أمس، رغم هلعي وانقباض شأني، في تسويتها؛ سخرتْ من الترغيب والترهيب ما رفع شأني فجأة إلى أن صار مثل صومعه تشق عنان السماء، فصعدتْ فوقها ونادت طيور الملذات إلى أن وصلت إلينا أسرابا أسرابا. أيقنتُ أنَّ فيَّ شيءٌ منفلتٌ مني وأنَّ من النساء من يمتلكن قدرة الإمساك بزمام القيادة ويؤدين المهمة على أكمل وجه...
عبثت الظنون برأسي الصغير وذهبت به في كل مذهب؛ من احتمال أن أكون ضحية مؤامرة ورَّطني فيها أصدقائي ليلة المعرض، مرورا بانتقام سليلة الشياطين للنساء قاطبة مني، وهي المناضلة العتيدة المدافعة عن حقوق النساء ضحايا العنف والمطلقات والمغتصبات، لما قلته ليلة المعرض في شأن بنات حواء، وصولا إلى احتمال صنعها مقلبا لي، بتواطؤ مع زوجها، بسبب الحرب الضروس التي كنتُ خضتها، باسم الأخلاق، عشية ضبط المدير وهو يسجد في ضريح معلمة متزوجة. ومن يدري؟ فقد يكونا أداتين في يد عاشق الصلاة والسَبحة والجلباب..
ليلة المعرض، افتخرت المناضلة بمكاسب النساء، ووعدت بمزيد من النضال إلى أن تنال الإناث ما للذكور تماما في المجتمع، فتدخلتُ بنبرة ساخرة، تعمدتها للفت انتباه المرأة المناضلة، اعتبرتُ فيها الحركات النسوية مجرَّد هراء، ولأجل ذلك سقتُ حججا عديدة: مغامراتي الجنسية نفسها (ولا ليتني ما فعلتُ)، ارتفاع نسبة الطلاق في العالم العربي، مقاطع من رواية اتخذتها شعارا لحياتي منذ طلقت زوجتي الثانية. قلتُ:
- اسمعي يا سيدتي ! أنا أحرص حرصا تاما على ألا تتجاوز رفيقتي الرابعة والعشرين، وأن تكون ذات قامة نحيفة رشيقة مثل نخلة بهيأة عارضة أزياء. لا أخرج عن هذه القاعدة إلا للضرورة القصوى، وإن خرجتُ فيكون لمرة واحدة، ثم أصطنع أعذار التخلص الفوري، وهو ما يكون على الدوام.
- ماذا تقول؟ (قهقهة استنكار)
- أكثر من ذلك، فأنا ما أعمل في هذا إلا بنصيحة إحدى صويحباتي ذات جمال باهر، تصغرني بـ 20 عاما، حيث تقول لي دائما:
- إياك والزواج ! إنه صُداعُ الرأس وسجنٌ رهيب. لقد كثرت البنات إلى أن ملأن اشوارع والحانات، وأراهنُ أن آتيك اللحظة بشاحنة امتلأت عن آخرها بهن إن شئت، يكفي أن أخرج للشارع وآتيك منهن بما شئت !
بُهتَتْ سليلة الشياطين، أمعنتُ في إغاضتها، قلتُ للأصدقاء:
- مع أني أعيش وحيدا، فإنني لا أعرف طعم الحرمان أبدا؛ أقل ما أقوم به لتبديد الوحدة تذكر قوائم البنات والنساء اللواتي قطفتُ أزهارهن منذ طلاقي الأخير، أستحضرهن واحدة واحدة، أتساءلُ: لو اصطففن جميعا كم يبلغ طول الصف: كيلومترا أو أكثر؟ لو اجتمعن في مكان واحد، هل تسعهن مقصورتا قطار أو ثلاثة؟ عشر حافلات أم خمسة عشر؟
استشاطت غضبا، أو تظاهرت، اتهمتني بالرجعية وبأن رأسي مليء بالقاذورات، فيما أنكرتُ أن يكون للحركات النسوية في عالمنا العربي معنى، وسقتُ حججا عديدة: ارتفاع نسب الطلاق، استفحال العزوبة، انشار البغاء، مطالبة إحدى الحركات النسوية بسن قانون يبيح تعدد الزوجات، لأخلص إلى نتيحة أن مجموعة من المحبطات والذميمات والبائرات يلبسن قناع النضال والدفاع عن حقوق المرأة لقضاء مآرب شتى لا يغيب فيها الجنس، ويدافعن عما لا ناقة لهن فيه ولا جمل، كمسألة البكارة التي ما يزبد ويرغي في نقدها إلا المتزوجات والأرامل والمطلقات، وذكرتها بالمظاهرة التي نظمتها جماعة منهن ضد صحفي مغربي أمام البرلمان تحت شعار: «نحن جميلات» لا لشيء سوى لأنه قال لهن: «أنتن ذميمات»؛ حملن لافتات لم يكتب فيها أي شيء سوى عبارة «نحن جميلات»، بالعربية والأسبانية والأنجليزية والفرنسية، فتدافعن وهن يصرخن: «نحن جميلات ! نحن جميلات !»..
- وبعد؟ أين المشكلة؟
استبعدتُ فكرة انتقامها مني بسبب هذه الآراء، لأنها أدت لي فروض الطاعة والولاء في الليلة الأولى وأعلنت الردة عن حزب النساء، إذ قالت موحوحة، لما راقها شأني العظيم:
- ليذهبن جميعا إلى الجحيم ! ليذهن إلى الجحيم ! لن أدافع عن امرأة بعدج اليوم! لن أدافع عن امرأة بعد اليوم!

ثم تمنت أن يعود عقرب الساعة بها إلى قرنين أو أكثر، فتجد نفسها في حضني بمعنى الكلمة؛ تتفرغ للغسيل والطبخ وترتيب البيت، وأنصرف لشؤون خارج البيت، فلا أغادره إلا بعد أن أغلق الباب عليها بمفتاح، ولا أدخله إلا بعد أن أفتح قفله بيدي...

لم تكن أقوالها لعبا ولا تمثيلا؛ فهي من النوع الكريم المعطاء الذي يذوبُ بلمسة يد، فيستسلم ويُسلم زهرته بسخاء نادر، ولحظة التسليم تنقلب إلى امرأة أخرى ما تنطق حواسها وأعضاؤها ولسانها إلا صدقا؛ تغذق نعيم جسدها علي إلى أن أذوب أنا الآخر فنلتحم في العناق والتقبيل واشتباك الجسدين وقطف الورود... فهمتُ مغزى الشتائم التي أغرقني بها، ليلة المعرض؛ كانت تعبيرا عن الرغبة شبيها تماما بتصرف جماعة من الممرضات في المستشفى ليلة سيقت إلى قسم المستعجلات عروسٌ ألحق زوجها بجهازها عطبا بسبب عظم شأنه وصغر محرابها.
- ويلي ! ويلي ! والله إنه لحمار ! والله إنه لبغل ! لعنات الله عليه !
رددن جميعا، لكنهن تساءلن في الوقت نفسه بانبهار:
- كم طول شأنه؟ أين هو؟ لماذا لم يأت معكم كي نراه؟ احضروه ! احضِروه !
وكانت نبرة السؤالين الأخيرين كلها رغبة في التعرف على صاحب الشأن العظيم للتخطيط لمغامرة معه؛ اشتهت كل واحدة من جماعة الممرضات لو كان ذلك الشأن العظيم من نصيبها..
فيما أنا غارق في التفكير، عادت طرقات أمس نفسها بالباب؛ قفزتُ في الفراش فزعا، بدَّدَتْ خوفي بالكلمات ذاتها:
- إنها طرقاته، قم افتح له الباب
ثم انخرطتْ في ارتداء ملابسها المحترمة، تقدمتُ نحو الباب أتعثر في خطواتي البطيئة، وها هي السيارة السوداء الفاخرة نفسها بالسائق نفسه، وها هو الرجل العجوز الأنيق نفسه، ببذلة مغايرة لبذلة أمس، يحمل إكليل زهور جميلة. حياني بنظرته المبهمة وابتسامته الأقرب إلى فغر الفم منها إلى الانشراح والفرح، ودون استئذاني اندفع نحو المنزل، ليجد زوجته قد هيأتْ له. قبلها من الوجنتين، دعتنا معا إلى المطبخ كأنها ربَّة البيت، ثم أمرتنا بالجلوس في مائدة الإفطار، فيما انهمكتْ هي في تحضير وجبة الفطور.
شغرتُ المقعد المواجه للعجوز، كي تجلس زوجته قبالته، بعد انتهائها من تحضير الفطور، فيما تنحيتُ جانبا، في أقصى معقد عند يمناه. انتابني خوف عظيم، لا سيما أنَّ عقلي الصغير عجز عن تفسير لغز «الهدية»؛ مدَّ الرجل إكليل الزهور، وهو يقول:
- تفضـلا !
ثم حرص على عدم إطلاق الإكليل من يديه ما لم نستلمه معا، وهو ما كان. لم أعرف أكنتُ بطلا أتوَّجُ أم مُجرما بصدد اجتاز طقوس المقصلة، لذلك لم أقبِّل صاحب «الهدية» من الوجنتين وأشكره على نحو ما فعلت زوجته، طأطأتُ رأسي، ثم جلستُ، سعَلَ الرجلُ، حسبتُ سعلته تهيؤا للانقضاض عليَّ والانهيال عليَّ بالضَّـرب، قفزتُ من مَكاني استعدادا لحماية جسدي، تبادل الإثنان قهقهة بدت لي اصطناعية.
وهي تهيء الفطور، سألت زوجها من حين لآخر عن ولديهما؛ هل يقومان بالشغب؟ هل يحضران دروسهما كما ينبغي؟ هل يلازمان البيت أم يخرجان؟ من زارهما من الأصدقاء؟، الخ. وكانت نبرة أسئلتها تُبديها كسيِّدة تسأل صديقا عزيزا عن أبنائه أكثر مما تبديها أمّا منشغلة بأبنائها، بدتْ كأنها ليست زوجته.

كان الرجلُ يجيبها باقتضاب شديد وهو غارق في قراءة مجموعة من الصحف التي اصطحبها معه. هممتُ بأخذ صحيفة، لكنني خجلتُ؛ قد يقول: «لم يكتف بالتطاول على زوجتي، بل مدَّ يديه لصحفي وسَجائري!»، راودتني فكرة الاختفاء في المكتبة، لكني خفتُ أن يكون غيابي مناسبة حديثهما عني، ومن يدري؟ فربما يُدبِّران لي مكيدة. أحضرتُ جدادات تحضير الدروس بسرعة، والبطاقات الشخصية للتلاميذ، وتظاهرتُ بتهييء دروس التربية الفنية والرياضيات، بل وعبأت خانات ملاحظات مجموعة من البطاقات. مدَّ الرجل يده لبعضها، وتسلى (أو تظاهر؟) بالتفرس على صور التلاميذ التي تعتلي الركن الأعلى الأيمن لكل بطاقة، استوقفته إحداها، نادى زوجته:
- ياه ! كم هي شبيهة بابنتنا سِهـام! والله إنها لنسخة طبق الأصل.

وافقته الزوجة معيدة كلامه مثل ببغاء، ثم عادت لتنهمك في إعداد وجبة الصباح... فطنتْ لنفاد الزبدة والشوكولاطة والجبن، اقترحتُ أن أخرجَ لإحضارها، اعترضتْ وقالت:
- لا، اجلسا معا، أنا من ستتولى إحضارها

ثم مرقت خارج المنزل كالسهم لأجدني منفردا مع زوجها، وهو ما لم أتوقعه إطلاقا، فأحرى أن أتهيأ له. والحق أن غيابها، وإن لم يتعدى بضع دقائق، فإن ثقله كان علي بمثابة جبل، فخيل إليَّ أن الزمن توقف نهائيا؛ تمنيت لو خسفت بي الأرض، لا سيما أن زوجها، فور خروجها، ألقى ببطاقات التلاميذ والصحف جانبا، وأشعل سيجارة، ثم أخذ يدخِّن بشراهة، وهو يسرق النظر إليَّ من حين لآخر؛ لم أعرف إلى الأبد ما كانت تخفيه تلك النظرات؛ دارت برأسي أفكار وهلاوس وكوابيس شتى؛ تخيلتُ أن المرأة إنما أفلتت بجلدها؛ عادت لمنزلها وتركني بين يدي زوجها ليبطش بي كيف ما شاء. لعنتُ حظي المشؤوم، انتابتني غيرة من بائع تذاكر سفر حافلة الريصاني؛ حظه كان هبة ربانية؛ عندما أخرج حقائب سفر ثلاث نساء في محطة السفر بفاس تظاهرن بالعجز، فدعونه لاصطحابهن إلى المنزل لا لشيء سوى لتخفيف العبء عليهن، وما أدخل الرجل الحقيبة الأخيرة حتى وجد نفسه محاطا بهن جميعا وقد أغلقن الباب بمفتاح، فكنَّ له قطيع بقر على امتداد أيام سبعة أكرمنه فيها بألذ الأطباق وأشرعن له محاريبهن وأضرحتهن فسجد فيها موفيا العبادة حقها إلى أن كاد يُخبل، وفي اليوم السابع أخلين سبيله كأن شيئا لم يكن.

نعم، بئيس هو حظي. قد يقتلني الرجل الآن، لو خطط لذلك لن يتطلب منه الأمر أكثر من مد يده لأحد السكاكين أو المديات المتوفرة بكثرة في المطبخ؛ لا، قد يُحظر هذا الـ «نعيم» الذي حيرني حضوره مجددا في حديثهما قبل قليل دون أن أعرف من هو بالضبط. تجميعُ أشلاء الكلام عنه يتيح لي الظن بأنه رجل مفتول العضلات، قوي البنية، ربما يقيم معهما في البيت، قد يكون أخ للزوج أو أخا للزوجة؛ ماذا لو أراد العجوز عقابي بأن يدعو نعيما الآن فيكون ثمن هذه المغامرة هو تمزيق إستي؟ فمن الرجال من يستهون أن تخونه زوجته، لفرط حبه إياها وتمسكه بها، ولا يستهون إن يمدَّ رجلٌ يده إليها ولو كانت هي البادئة، ولذلك ينتقم أشد الانتقام من مدنس حرمته، وأشد أنواع العقاب العبث بمؤخرة من قطف زهرة زوجته.

تذكرتُ حكاية طالب مرسيليا الذي كان يعود في كل مساء بمبلغ من المال، فيدعو الأصدقاء إلى حانة، ويسقيهم الأنخاب، من جيبه، وكلما شكروه أجابهم:
- بصحتكم وهنائكم يا أصدقائي، فما تشربون إلا مال شأني!

فتتعالى الضحكات، لكنه ذات يوم، وأمام انذهال الجميع، قال، ساخرا وقد اعتلى وجهه حزن ممتعض:
- بصحكتم وهنائكم، فما تشربون اليوم إلا مال إستي!

وطفق يحكي تفاصيل الحادث المشؤوم؛ ما أن تجرد من ملابسه وتهيأ لاحتضان اللوطي حتى أخرج هذا مُسدَّسا وأرغمه على تقديم إسته، ففعل به ما كان همَّ هو أن يفعله به! طلع لوطيّ اليوم فاعلا لا مفعولا به!
اقشعر لحمي، اصطكت أسناني بصوت مسموع، تحسستُ مؤخرتي. تذكرتُ كذلك حكاية بشار بن برد الذي أمطر امرأة متزوجة برسائل طلب الوصال، وهدَّدها بالهجاء إلى لم تلبي النداء، فأخبرت زوجها؛ ووضعا معا مقلبا للشاعر الضرير؛ وصل بشار إلى المنزل، أجلسته الزوجة وقالت له: ها لقد تجردتُ من ملابسي فضع يدك في ضريحي، فلما وضع يده وجد نفسه قابضا على إحليل زوجها وهو منتصب!

زاد في الطين بلة أنها لم تمنحني ولو رأس خيط صغير لتبديد خيوط الشكوك التي استبدت برأسي ليلة أمس، سألتها:
- هل هو على علم بخيانتك إياه؟
- الخيانة؟ (مقطبة جبينيها) ماذا تقول؟ والله إن رأسك لملئ بالقاذورات والأوساخ ! زن كلامك، وانتق الكلمات جيدا قبل إطلاقها !
- قصدتُ هل أخبرته بأننا ننام في سرير واحد؟

بدا لها الجواب أبلد من أن يستحق جوابا، صفحتْ عن تصرفي «البليد» باحتضاني وإغراق وجهي بالقبلات، ثم ذوَّبتني تحتها ذوبانا قبل أن تركبني مُجددا في أرجوحتها، وأنا راكبٌ حاولتُ اختلاس جواب منها عن السؤال؛ فهي لحظة الانتشاء تتحول إلى سيدة أخرى، قالت:
- أحمق أنت إن ظننتَ أنك أوقعتَ بي؛ دوَّختني حكاياتك عن البنات الصغيرات، ومقصورات القطار والحافلات، فأقسمتُ أن ألا يكون للحديث بقية بيني وبينك إلا هنا ! وها قد وفيت القسم حقه… أنا التي اصطدتُك..

ملأت صفحة المائدة بالصحون والأكواب، وخدمتنا مثل شغالة أمينة عادلة؛ مع أنها جلست قبالة زوجها، فإنها شملني باهتمام مماثل له، بل لم تفارق شفتها إطلاقا كلمة «أنتما»، فتقول: «كلا»، «اشربا»، «إليكما شهيوة أخرى»، الخ. حتى إذا فرغنا من الأكل وتهيأ الرجل للخروج، خاطبتْه، دون استئذاني:
- خذه معك !

إلى أين؟ ولماذا؟ تساءلتُ سرا، وأنا ألفها بنظرة عتاب، تجاهلت عتابي، خرجتُ وأنا أتعثر في خطوي، أحسست بما كان يحس به أسير قبائل التوبينامبا عشية تقديم جسده مأدبة للقبيلة؛ بعد أسر يدوم عدة سنوات، تحين ليلة القتل؛ تقدَّم ألذ الأطباق للأسير وأجود الخمور، ويُمكَّنُ من أجمل النساء، يستمتع بهن بكامل الحرية وعلى الوجه الذي يطيب له، حتى إذا أشرق الصبح سيق دون جوان ليلة أمس إلى الساحة العمومية، حيث تحيط به العشيرة بكاملها، ويُحكم شدّ جسده من الوسط بحبل يمسك طرفيه أشخاص من دائرة الحشد المحيط به، ثم يُتخذ جسده مرمى للأسلحة البيضاء حتى إذا خرَّ، مزقوه تمزيقا وحضروا به ألذ الوجبات التي تقدم ليس لمجموع أفراد العشيرة، نساء ورجالا وكهولا وصبيانا فحسب، بل وكذلك للأقارب والضيوف الذين يحجّون من كل فج عميق خصيصا لهذا الحفل القرباني تلبية للدعوى القبيلة.
ساد السيارة صمتٌ مقلق؛ لا موسيقى ولا تبادل كلمات؛ كأن العجوز والسائق كانا صائمين عن الكلام أو بصدد تنفيذ مؤامرة ضدي تعاهدا على عدم الإفشاء بتفاصيلها لأي أحد غيرهما والزوجة طبعا التي كانت قد سلمت لزوجها قبل خروجنا ورقة صغيرة حرصتْ على تحريرها بمنتهى السرية، ثم طوتها بعناية ووضعتها في أحد جيوبه. خامرتني شكوك عظمى في شأن تلك الورقة، خمتُ أنها قنبلة ستنفجرُ، وسيكون انفجارها من القوة بحيث تصل أشلاء جسدي إلى مأدبات النميمة والتشفي ومجالسهما في كافة ربوع الوطن.
في البداية تخيلتُ أن وجهة السيارة هي الإدارة العامة للأمن الوطني نفسها، لعظم القضية وكبر الموقع الاجتماعي الذي يحتله العجوز؛ فهو صاحب مركز اجتماعي مرموق دون شك، وربما ذو جاه ونفوذ. هممتُ مرارا بوضع حد للمأساة بإخبار الزوج بالحقيقة كاملة؛ وددتُ أن أقول له:
- اسمع يا سيدي! لا داعي لتقديمي للشرطة؛ فأنا لستُ ظنينا؛ زوجتك هي التي راودتني، الجميع يعرف استقامتي مع البنات والنساء وصيامي الدهر عن النساء المتزوجات والبنات العازبات. أنت رجل طيب، ولكن زوجتك شيطانة خائنة مُمعنة في تدنيس عرضك وشرفك... إليك تفاصيل القصة كاملة كي تكون على بينة مما تفعل..
ولكن حضور السائق جعل كلامي مستحيلا. ذات لحظة راودتني، والله، فكرة أن أنحني على أذن العجوز وأهمس فيها بالحقيقة كاملة، لكن في اللحظة التي تأهبتُ للاقتراب من الزوج حاصرتني نظرات السائق في المرآة، فعدلتُ عن الأمر..
في أحد مفترقات طرق شارع النصر، انعطفت السيارة شمالا، ثم رست. وها نحنُ في سوق العكاري، اغتنمتُ بقاءَ السائق داخل السيارة واحتشاد الأجساد في السوق، اختلستُ من جيب العجوز الورقة السرية، فإذا بها تتضمن وصفتين أو ثلاثا في كيفية تحضير بعض وجبات الطعام. هدأ خاطري، عرفتُ سبب نزولنا هنا؛ للتبضع لا غير، ربما استضافت المرأة المكتنزة زوجها لقضاء اليوم معنا.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://aflcine.ahlamontada.com
 
امرأة من سلالة الشيطان ج4
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
جمعية الاخوين لوميير للسينما :: أفضل الروايات :: امرأة من سلالة الشيطان-
انتقل الى: