جمعية الاخوين لوميير للسينما

Association Frères Lumière du Cinéma
 
الرئيسيةالرئيسية  البوابةالبوابة  مكتبة الصورمكتبة الصور  اليوميةاليومية  س .و .جس .و .ج  بحـثبحـث  التسجيلالتسجيل  المجموعاتالمجموعات  دخول  

شاطر | 
 

 امراة من سلالة الشيطان ج5

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
Admin
Admin


المساهمات : 608
تاريخ التسجيل : 23/11/2007

مُساهمةموضوع: امراة من سلالة الشيطان ج5   الأحد مارس 16, 2008 10:27 am

ذكرني الموقف بالحكايات الكثيرة عن الرجال الذين يسوقون غرباء إلى نسائهم، فيخرج الزوج والغريب إلى السوق، حيث يتولى هذا الإنفاق مقابل تنازل ذاك عن ربة البيت ليلة كاملة، أو أكثر، إكراما للضيف. اتجهت إلى أقرب شباك أوتوماتيكي، سحبت 1000 درهما (حوالي 100 دولارا) هي كل ما تبقى في حسابي، تحسبا لأن يطلب مني العجوز تسديد مشترياته من الخضر والفواكه واللحوم، لكنه استعظم ذلك، فاضطررتُ للاحتفاظ بنقوذي واقترحتُ نفسي للقيام بدور الحمَّال عن طيب خاطر، وهو ما كان. من حشد المتسوقين، خرجت امرأتان جميلتان مكشوفتا الصدر والفخذين والبطنين، مما يدل على موقعهما الاجتماعي الراقي، ثم سألتا العجوز عن زوجته:
- كيف حال الشريفة؟ لماذا ليست هي الآن معك، وهي التي ترافقك مثل ظلك؟
- بخير، هي الآن مسافرة في مهمة طارئة للمساهمة في لجنة صياغة قانون نسوي جديد.
- أعطاها الله الصحة والعافية، حضورها هام وضروري ويطمئننا كثيرا، لأنها تجيد الدفاع عنا دائما. متى ستعود؟
- والله لا أعرف، هي قالت إنها لا تعرف كم ستستغرق هذه الندوة، ولكني لا أظن أنها ستتجاوز أسبوعا. قال الرجل، ثم حيا المرأتين، وهو يعدهما بإبلاغ تحياياهما لزوجته.

اطمأن قلبي، أخذت الكوابيس تتبدد، توارت صور مكاتب الشرطة والاستنطاقات المقبلة، خمنتُ أنها لن تكون وجهتنا أبدا، صَدَق تخميني؛ ما مضت بضع دقائق عن خروجنا من السوق حتى كنا في إقامة فاخرة بضواحي فندق هلتون، في حي السويسي الراقي.

اسكثرتُ وجودي في تلك الإقامة الفخمة التي امتدت أمامها مساحة تقدر بحوالي هكتار من الأعشاب والأشجار ومسبح رومانسي المياه. في مرفأ السيارات، كانت سيارة أخرى جميلة راسية؛ فولزفاكن كابيرولا حمراء، مثل سمكة ناعمة، لها غطاء أسود قابل للإزالة في فصل الصيف. عرفتُ للتو أنها سيارة المرأة المكتنزة، تمنيتُ أن أسوق هذه السيارة وهي بجانبي.
خصني العجوز بحفاوة كبرى، حيث أجلسني في صالون فخم، قبالة تلفاز ذي شاشة عملاقة، ووضع أمامي مجموعة من الصحف والمجلات وعلبة سجائر وقهوة سوداء، بل وساق لي كريمته سهام وقدمني لها باعتباري «طانطو»ها (عمّها)، ثم اختفى في المطبخ لتحضير وجبة أكل. أدركتُ قيمتي؛ حدستُ أن الرَّجُل أعنّ، وقدرتُ أنه يشتري الآن ودِّي لسقوط زوجته في شرك حُبي بعد أن أغذقت عليها من خزائن مزني. ها هو جعل مني عما لطفليه، وربما سيدعوني للإقامة هنا، حيث أتكفل سريا بزوجته، أي أكون زوجها الفعلي، فيما يتكفل بها هو علنا ويلعب دور الزوج - الواجهة. تبدد خوفي دفعة واحدة، أحسستُ بأنني رجلا عظيما، ذا شأن كبير، لعنتُ نصيبي من هذه القسمة الضيزى للحظ؛ وهبَ الله فولا لمن لا ضرس له. استعظمتُ أن أنزَل هذه المنزلة من لدن العجوز، أمطرته باللعنات في خاطري لأنه أذبل زهرة زوجته الصغيرة ولم يوف محرباها حقه من العبادة والسجود. تفهَّمتُ خيانة زوجته إياه، بل وأحسستُ بأنني أستحق أجرا عظيما عن إحساني إليها.

فيما كان الزوج يطهو الطعام استسلمتُ لأحلام جميلة حلقت بي في السماوات العليا، ورحتُ أخطط للإطاحة بالعجوز؛ بمجرد ما سأعود للمنزل سأغرق زوجته بالقبل والعناق الحنون، وأمعن في إغذاق خزائن الملذات عليها إلى أن تجدد فروض الطاعة والولاء وتعبر عن أمنية البقاء معي طول الحياة، كما فعلت في الليلة الأولى. آنذاك، سأخيرها بين أمرين لا ثالث لهما:
- اسمعي يا حبيبتي! أنا لستٌُ بالهين الشأن بحيث أرضى بدور الرجل المستتر؛ إما تطلقي العجوز وتتزوجيني رسميا أو أنسحب من حياتك !
- كيف؟ ! لا، لا، أبدا، أبدا؛ فهو أبٌ، ووجوده في المنزل ضروري...
- وأنا، ألستُ أهلا للاضطلاع بمهمة الأب؟!
- ليس الأمر بالسهولة التي تتصور، ثم لا تنس أنه صاحب أملاك وعقارات...
- لقد أعطتكن مدونة الأحوال الشخصية حق اقتسام ترواث أزواجكن بعد الطلاق.
- ولكنه رجل طيب ولطيف، ولا يرفض لي أي طلب، ومن ثمة لا مبرر إطلاقا لمطالبته بالطلاق، لو فعلتُ أكون كأني ارتكبتُ جريمة عظمى...
- ضعيه في موقف يُرغمُه على طلب الطلاق.
- كيف؟
- افرضي عليه، مثلا، أن ننام في سرير واحد؛ أنت وأنا وهو، فأشهر صومعتي في وجهه وأسجد في محرابك وهو ينظر بأم عينيه...
- طيب، دع لي مهلة للتفكير.

أثناء تفكيرها سأحشد من الدواعي ما يجعلها تطلب الطلاق لا محالة؛ سأذهب لأمهات كتب الفقه والتفسير وأبرهن لها على أن ما تقوم به حرام، وسأسوق لها كتب أهوال القبور ووصف القيامة وعذاب النار، وستخاف وتطلب الطلاق.
في انتظار الطلاق، ها هو رقمي يطلع رابحا، كما قالت أخت ليلى.. لأول مرة في حياتي، سأضع أصبعي على أي نقطة في خريطة المغرب، وأقول: كن فيكون. سننطلق أنا وإياها لا غير، في الكابريولا الحمراء الساحرة مثل سمكة، نحو شواطئ أكادير والسعيدية، وننزل إلى صحراء ورزازات، ومنها نتجه إلى صحراء تافيلالت، فنقضي ليالي ساحرة في أجمل فنادق آرفود...

أثناء تناول وجبة الغذاء، بدا لي العجوز رجلا عاديا جدا؛ اختفت الهالة التي كنتُ احطته بها، وبدا لي أنني ارتكبتُ حماقات وسخافات عديدة عندما أصابني الخوف الشديد منه، بل قهقهتُ ضاحكا عندما تذكرتُ صراخي ليلة أمس بكلمة «ماما ماما» تحت وطأة الحلم المرعب. أما عندما تذكرتُ الكوابيس التي مضت بي إلى حد احتمال أن يكلف الزوج من يعبث بإستي انتقاما من مغامرتي مع زوجته، فإني وافقتُ على صواب قولها لي أكثر من مرة:
- رأسك مليء بالأوساخ والقاذورات.

نعم، صدقتِ؛ والله إن رأسي لمليء بالأوساخ والقاذورات.

أخرجتُ العجوز من صمته، حاصرتُه بالأسئلة: ما اسم العطر الذي تتعطر به؟ أين تخيط بذلاتك؟ ما ماركة نظاراتك الشمسية؟ من أين اشتريت هذه الساعة اليدوية؟ وبكم؟ فأجاب عن أسئلتي جميعا وأنا فرحان لقرب احتلال مكانته، حيث سيتأتى لي التعطر بعطور ماركات عالمية، مثل كريستيان لا كروا وبول سميث ونيكل وسيلين ولانفان، ولباس بذلات خاطها فرانسيسكو سمالطو، ووضع ساعات يدوية من النوع الرفيع، مثل بريتلينغ وهيبلو وشوميه وشافهاوزن..
راودتني فكرة همز الرجل ولمزه بالسؤال:
- أين زوجتك الآن؟ وما عنوان الندوة التي تشارك فيها؟ وكم بقي لها من يوم وتعود؟
ولكنني خشيتُ سوء عاقبة التسرع، فأجلت هذه الأسئلة وغيرها إلى وقت لاحق.
رغم إصرار العجوز على مرافقتي إلى منزلي، فإني نجحتُ في الإفلات منهُ والرجوع وحيدا رفقة السائق الذي أذعن لجميع أوامري، أحسستُ أنني ارتقيتُ طبقيا، أيقنتُ أنَّ هذه السيارة الفارهة سأقودها عاجلا أم آجلا، وأن المسألة لا تعدو مجرد وقت.

نزلتُ عند أول صيدلية، طلبتُ علبة مقو جنسي يُحضَّرُ من جذور نبات الجنسن، ثم تناولتُ أربعة أقراص دفعة واحدة، رغم أن الوصفة توصي بتناول ثلاث لا غير، موزعة على أوقات الوجبات اليومية. أمرتُ السائق بالتوجه إلى سوق العكاري مُجدَّدا، نزلتُ، اشتريتُ عشرة فراخ حمام ونصف كيلو رأس حانوت، ثم أمرتُه بالتوجه إلى منزلي.

ودين أمِّي لأفجرنَّ الليلة صومعتي في محرابها؛ لأحولنَّ هذه الصومعة إلى بُرج إيفيل، وأصْعدَنَّها إلى أعلى طابق فيه، فنقضي ليلتنا في السَّمر واللهو والتعبد في محراب العشق والهوى، ما يبزغ الفجر إلا وقد نبتت لنا أجنحة، فنحلق طائرين في السماوات السبع... سأقول لها:

- أي تلميذتي العزيزة! أنت رسبت، ويتعين عليك تكرار الفصل وإعادة تحصيل كل ما تلقيته في السنة الفارطة: المقامات الأربعين: «دقة المسمار»، «الأرجوحة»، «فكروني»، «زدني علما»، «كان يا مكان»، الخ. ودروس كتاب «الكاماسوترا»، والتطبيقات التركيبية بين الحداثة والتقليد عبر توليف الأشرطة والأقراص المدمجة وكتب المشايخ النفزاوي والتيفاشي وأحمد بن سليمان.

وسأمضي ما تبقى من إجازتنا السّباعية في إلقاء دُروس مُستفيضة مشفوعة بأخرى للتقوية. إن ينفذ زادي أتجه لأقرب عيادة، وأدلي للطبيب بنسخة من أحد عقدي زواجي، ثم أزعم له أنَّني مرضتُ بالبرودة الجنسية، فلايجد بُدا من تحرير وصفة لشراء أقراص الفياغرا، فتمتلئ خزائن مزني مجدَّدا إلى أن توشك على الفيضان... ولعمري لها مفاجأة كبرى، ربما تجعلها تعيد النظر في أمر الإجازة فتمددها شهرا آخر أو شهرين فما تغادر المنزل إلا وهي حبلى...

هذه هي النقطة الوحيدة التي كانت في برنامج أعمال تفكيري، منذ غادرنا المقهى إلى أن وصلنا إلى الحي الذي أقيم فيه. وكانت من الأهمية بحيث صرفتُ السائق فور الوصول. دسست المفتاح في الباب وأنا موقنٌ أنها ستكون قد صرفت مجموع الوقت الذي قضيته بعيدا عنها في تهييء نفسها لي؛ ستكون قد رتبت البيت وطهت وجبة شهية، ولبست ملابس مُهيِّجة، وجلست في المائدة تحتسي أكواب خمر؛ تنتظرني على أحر من الجمر وهي تتسلى بمشاهدة أشهر القنوات البورنوغرافية العالمية، بل بمجرد ما سأدس المفتاح في الباب، ستهرول للارتماء في صدري وإغراق وجهي بالقبلات، وتقودني مباشرة إلى غرفة النوم لتركبني في أرجوحتها النعيمية.

لكن أية مفاجأة وجدتها في انتظاري! فقد عم المنزل هدوء وصمت مقلقين أبدياه كمقبرة، وبمقدرا توغلي في الداخل وجدتُ لا شيء تغير إطلاقا، كأن غيابي لم يدم إلا بضع لحظات. اتجهتُ مباشرة لغرفة النوم، هالني ما وجدتُ؛ أزكمت أنفي رائحة المسك التي، مع كامل احترامي لجميع من يعشقونها، صارت لي حساسية خاصة إزاءها منذُ ضبطنا مدير المدرسة وهو ساجد في محراب إحدى المعلمات؛ أول ما فاح منه بعد أن داهمنا مكتبه هذه الرائحة نفسها.

تظاهرتْ بأنها كانت نائمة؛ جلست في السرير وهي تتفوَّه، لكن البرودة التي استقبلتني بها، والملابس التي كانت ترتديها، وتبعثر خصلات شعرها في صفحة وجهها، كل ذلك كان يشي بوجود شيء غير طبيعي. شيء خطير ومهول؛ كست وجنتيها تلك الحُمرة القانية مثل الدم التي لا تكسوهما إلا بعد أطيل السجود في ضريحها إلى أن أنزل طيور الملذات فتحلق حولها أسرابا أسرابا، وإذن فقد خانتني في غيابي، وفي سرير نومي نفسه. قالت ببرود مٌقلق قاتل :
- آه أنت؟ لم تتأخر كثيرا !!

أيقنت أنَّها خانتني في غيابي. خرجتُ إلى الحديقة الصغيرة، وجدتُ آثار قدمين لا زالتا مطبوعتين على التراب، أكثر من ذلك كانت كمشة من الحشائش مُقتعلة تشي بمرور شخص ما من هنا قبيل لحظات والهلع قد استحوذ عليه؛ فهمتُ ما جرى. عندما دسست المفتاح في الباب شعرا بي، فقفز اللعين من نافذة غرفة النوم إلى الحديقة الصغيرة، ثم السور الصغير وأطلق ساقيه للريح. انكشف اللغز بسرعة البرق: دعت المدير في غيابي ومكنته من قطف زهرتها، تظاهرتُ بعدم معرفة أي شيء، لكن هل يمكنني أن أصمت أمام علامة الخيانة البينة، وهي سبحة المدير الموجودة فوق المائدة الصغيرة أيمن السرير؟
- غير معقول ! أيتها العاهرة! أتحسبين منزلي ماخورا؟! ودين أمي لأقتلنك إن لم تخبريني بما فعلت في غيابي؟
صدتني ببرودة جليدية فهمتُ منها أنها كانت طريقة لتذكيري بالتفاوت بيننا؛ أنا مجرد معلم بسيط لا تتجاوز شهرتي أسوار المدرسة، أما هي فقادرة على استصدر بيانات إدانة، في اليوم الموالي، إن أضربها: بيان من البيت الأبيض وآخر من هيأة الأمم المتحدة وثالث من محكمة العدل الدولية، بل ربما تحل لجنة دولية للتحقيق في الحادث وتقصي الحقائق التي ستكون دائما لصالحها. أما أنا، فمُجرَّد وجودي معها يُبديني مثل أكذوبة...

عمدتُ إلى الحيلة؛ اعتذرتُ لها، زعمتُ أن صُداع التلاميذ أخذ يؤثر على ذاكرتي ومزاجي، وأنني نسيتُ أنني اشتريت السبحة موضوع الخصومة بيننا منذ أيام بعد أن راودتني فكرة الصلاة وعزمتُ على التوبة. تظاهرت بتصديقي، أحطتها بذراعي، قبلتها بحنان في الوجنتين، فالفم، ركبتُ أرجوحتها، لكن استجابتها كانت باردة مثل قطعة ثلج، أيقنتُ أنها إنما تجاملني وتأخذ بخاطري لا غير؛ ففيما كنتُ أنتظر أن توحوح وتستزيد كالعادة، بدت هي شاردة، غائبة، وفجأة داهمتني بأسئلة غير منتظرة:
- أين تركت الحاج؟ لماذا لم يرافقك؟ هل جئت في سيارة أجرة؟
- لا تحديثتي عنه! هو رجل داهية؛ يتظاهر بتلبية رغباتك، لكنه يحفر لك في الواقع قبرا؛ في السوق التقى بثلاثة نساء، واختلى بهن حوالي ربع ساعة، في حديث حميمي، حرص على أن يكون سريا، لكنني تمكنت من استراق السمع؛ قال لهن، وكن سألنه عنك: «دعنَني والشريفة ! هي عاهرة خائنة، وها هي حجج الخيانة معي»، ثم طفق يحكي لهن عن مغامرتك معي، فاقترحنَ عليه الزواج بامرأة أخرى، بل أكثر من ذلك عرضت عليه إحداهن الزواج بأختها التي كانت ترافقها، وهي أجمل منك والله، فقبل الحاج وضرب لهن موعدا لترتيب تفاصيل الخطوبة والعرس..
- إن شاء فليفعل! بل وسأكون ضمن فوج الخاطبات والخطاب.

قالت ذلك، ثم أرجحتني فوقها بحركات اصطناعية أحسستُ ألا هدف كان من ورائها سوى التعجيل بنزولي، وذاك ما كان. فما اعتصرتني اللذة، حتى قامت وارتدت ملابسها المحترمة الأنيقة، وأعدت حقيبتها اليدوية، ثم تهيأت للانصراف.
- إلى أين؟
- إلى بيتني!
- ولكن نحن اتقفنا على البقاء هنا أسبوعا كاملا؛ أنت مسافرة في الندوة، وأنا في إجازة مرض !
- لا، لا، رأسي يوجعني، ويجب حتما أن أعود! تركتُ أدويتي في المنزل.

ودون أن تترك لي أية فرصة للتفاوض خرجتْ من المنزل، رافقتها. لحظة تأهبها للركوب في سيارة الأجرة الصغيرة، قالت لي:
- انتظر مني مكالمة هاتفية الليلة. عندما تعود للمنزل، بمحاذاة السرير، فوق المائدة الخشبية الصغيرة، ستجد ظرفا بريديا أصفر اللون مغلقا، إياك أن تمزقه أو تلقيه في سلة المهملات، خذه، فهو لك.

كانت حكاية خيانة المدير أكبر من أن يشغلني بها ظرف أو طرد بريديين، ولذلك بمجرد اختفاء سيارة الأجرة هرولتُ إلى المدرسة لتصفية الحساب مع عاشق الجلباب والمحراب، وأنا عازم على أن أخرب بيته وألقنه درسا لن ينساه طول حياته، والله لأعبتن بإسته...
على امتداد الطريق الفاصل بين المنزل والمدرسة لم أكف عن توبيخ نفسي لتسرعي؛ ربما ضيعتُ فرصة العمر اليوم؛ بدل التخلص من زوجها والرجوع وحيدا إلى المنزل كان عليَّ أن ألازمه مثل ظله لأكسب وُدّه وصداقته، لو فعلتُ لكان بإمكاني أن ألتحق بها الآن فى منزلها وأن أتفاوض معها، وربما نجحتُ في إقناعها بالتراجع عن قرارها والعودة مجددا إلى منزلي بتزكية من زوجها، بدل أن أصدع رأسي الآن مع هذا العجوز الآخر الذي قد يكون عرف من أين تؤتى الكتف. من يدري؟ فربما يكون فاوضها في غيابي والتوى عليها مثل أخطبوط فأقنعها بأنه أنسب لها مني... إيه! ولكن هي قالت له صبيحة سلمتْه شهادة إجازة «مرضي»، إنها أختي وإنها جاءت من مراكش خصيصا بسبب مرضي.. ماذا جرى بالضبط؟

رحتُ أخمِّن السيناريو الذي قادهما إلى فراشي؛ زارته في المكتب، قدمتْ نفسها له باعتبارها أختي، ثم حدثته عن مرضي وسلمته الشهادة الطبية، استهلَّ الكلام بالحديث عن جدِّي ومواظبتي، قال لها: أخوك من أفضل معلمي المدرسة، يُحبه التلاميذ لدرجة العبادة، هو لهم بمثابة الأب أو أكثر، رجل خلوق إلى آخر الأغنية، وبعد ذلك عطف بالحديث نحو مَرضي، وضعفنا نحن معشر البشر، وفنائنا ودوام وجه الله، وضرورة الاستعداد لعذاب القبر ويوم القيامة والآخرة، الخ. إلى أن أوهمها بأنه قديس، تمهيدا للنبش في حياتها:
- هل الأستاذة متزوجة؟

ويكفي أن تجيبه فيوقع بها؛ إن تقل متزوجة يستدرجها للحديث عن زوجها إلى أن تذكر أحد عيوبه فيهتدي لأقصر طريق لضريحها، وهي ما تحتاج إلا لهذا كي تذوب. وإن تقل مطلقة يعدها بالزواج الفوري من أحد أقاربه الأثرياء الذي ينتظر امرأة من صنفها منذ عقد من الزمان دون أن يفتح الله عليه بعد، بل وقد يمضي اللعين إلى حد وعدها بفقيه صاحب كرامات في تزويج العانسات والمطلقات والبائرات. وفي كلتا الحالتين سيسقطها في الفخ، وهي من النساء اللواتي لا تتصور الواحدة منهن إمكان اختلائها برجل دون أن يؤدي هذا الاختلاء إلى اشتباك الأجساد. إن لم يقطف زهرتها تغضب عليه أو تعتبره مغفلا وساذجا وبليدا. أعرف هذا النوع جيدا، وآخر من قطفت زهرتها قبل اللقاء بالمرأة المكتنزة كانت تحديدا من هذا النوع:

إنها شرطية المُرور. كانت بضع دقائق للتفاوض معها في شأن مخالفة سير صديقي كافية مني لأخذ رقم هاتفها وترتيب موعد للقاء في منزلي. لم تتأخر دقيقة واحدة، بل بكرت بحوالي 5 دقائق. استقبلتها، أسمعتها موسيقى جميلة، دخنا سجائر وشربنا مشروبات غازية، دردشنا كثيرا، ثم حان موعد انصرافها. استعظمتُ أن أمدَّ يدي لزهرتها منذ االلقاء الأول، لا سيما أنها من عائلة محترمة، ومطلقة من طبيب. ودَّعتها، تظاهرت بالرضا عني، كلمتها في المساء لترتيب موعد للقاء المقبل، قبلتْ، كلمتها في اليوم الموالي لتأكيد الموعد، قبلتْ، بل طمأنتني. ولكن لمَّا حان موعد اللقاء لم تحضر مع أني هيأت غذاء فاخرا أنفقت فيه مبلغا مُحترما. كلمتُها خمس مرات فما أجابني في الهاتف إلا الخواء. في الليل عاودتُ مكالمتها، وكان جوابها إسماعي أغنية «باحبك»، ثم قطعت خط الاتصال، دون أن تنطق بكلمة واحدة. أضربتُ عنها أياما خمسة، فلما كلمتها وجدتها فاكهة نضجت إلى أن أوشكت هلى الاهتراء. غضبتُ عليها، وأنا شبه يائس من عودتها مجددا، لكنها في اليوم الموالي جاءت، فخصصتُ لها استقبالا حارا؛ ما أن خطت أول خطوة في المنزل حتى عرجتُ بها مباشرة إلى غرفة النوم وأنا أكاد أخنقها بالعناق والقبل. رفعتُ الساريتين الرخاميتين إلى السماء، أطلتُ السجود في المحراب، ثم قطفتُ الزهرة، وركبتُ في الأرجوحة، فإذا بزائرتي امرأة أخرى؛ غاب الشحوب عن وجهها لتكسوه ابتسامة واسعة، وتبدلت نبرة كلامها إلى انشراح واضح، بل وشرعت في لوك شوينغوم. أما لما أطلقتُ الموسيقى، فإنها رافقت المغنية في الغناء بصوت مسموع، ولما انساقت مع المعزوفة قامت ترقص. انصرفتْ وهي تكاد تطير فرحا، ومنذ ذلك اليوم توثقت الصلة بيننا الصلة إلى أن قطعتها المرأة المكتنزة.

لا، لا، لا، هي التي أوقعت به؛ ألم تقل إنها هي التي اصطادتني؟ ألم تقل عن سائق سيارة الأجرة الصغيرة الملتحي أنها لو كانت وحيدة وشاءت الإيقاع به لما أفلت من قبضتها؛ لأطبقتْ عليه مثل دجاجة فما يكون للحديث بقية بينهما إلا فوق السرير؟ حسنا! ولكن لماذا يقترب من عريني؟ ها هو يفعلها للمرة الثانية !
في الأولى استدعى المعلمة لأمر «هام وعاجل وفي منتهى السرية»، اتجهت المسكينة إلى مكتبه وقلبها مفزوع، فما دخلت حتى أغلق الباب ليلقي عليها وحيه السري؛ زعمَ أن زوجها اغتصب إحدى التلميذات، وعزز دعواه بشهادة طبيبة مُزوَّرة؛ قال لها إنه أعد تقريرا سريا سيبعث به إلى نيابة التعليم وإن زوجها سيُلقى عليه القبض لا محالة، فلم تجد الزوجة بدا من مقايضة خلاص الزوج بإشراع محرابها للرئيس على امتداد أسبوع إلى أن كان ما كان...

وجدتُ مكتبه مكتظا بالمعلمين، ما أن رآني الجمع حتى ارتمى علي يعانقني، كان هو أوَّلُ من حياني طبعا بالحفاوة نفسها:
- هو ذا قد جاء هو ذا قد جاء، عمره طويل ! عمره طويل !
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://aflcine.ahlamontada.com
 
امراة من سلالة الشيطان ج5
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
جمعية الاخوين لوميير للسينما :: أفضل الروايات :: امرأة من سلالة الشيطان-
انتقل الى: