جمعية الاخوين لوميير للسينما

Association Frères Lumière du Cinéma
 
الرئيسيةالرئيسية  البوابةالبوابة  مكتبة الصورمكتبة الصور  اليوميةاليومية  س .و .جس .و .ج  بحـثبحـث  التسجيلالتسجيل  المجموعاتالمجموعات  دخول  

شاطر | 
 

 امرأة من سلالة الشيطان ج8

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
Admin
Admin


المساهمات : 608
تاريخ التسجيل : 23/11/2007

مُساهمةموضوع: امرأة من سلالة الشيطان ج8   الأحد مارس 16, 2008 11:09 am

ما أن دخل الجميع حتى صار المنزل حلبة حقيقية لرقص صاحبات الهدية، لكن أيضا للعديد من أبناء وبنات الجيران من الشباب في بهجة نادرة. أطلق العزف والغناء الرغبات من معاقلها فعبرت الأجساد عن مكنوناتها خارج كل القيود، فصار الكل يستزيد؛ كلما همَّ أعضاء الفرقة الموسيقية بالانصراف استزادهم الحضور وثنوهم عن ذلك بمزيد من نتقيط أجساد الراقصات؛ يقوم أحد الحضور، فيخرج ورقة نقدية، يعرضها على أبصار الجميع، ثم يدسها بين نهدي إحدى الراقصات، يتلوه آخر أو أخرى، وهكذا إلى أن تتمتلئ صدور الراقصات باقطع النقدية فتسلمنها لرئيس الفرقة الذي يزداد فرحة واستجابة للطلبات والرغبات. وعلى قدر المبلغ يكون ليس طول المعزوفة الجديدة فحسب، بل وكذلك نوعها. وبذلك استمتع الحاضرون وأمتعوا بعضهم بعا بضروب من الغناء المتباينة التي مضت من الأغاني الشعبية البدوية الصاخبة التي تقتضي هز العجائز والأرداف وإدخالها في حركات ارتعاشية، مروروا بمقاطع شرقية اقتضت من مجموعة من الراقصات الكشف عن الجزء الأعظم من أجسادهن تماما كما في أشرطة الرقص الشرقي التركي والمصري واللبناني، وانتهاء بمعزوفات غربية تباينت بين الإيقاعات الصاخبة للروكن رول وألوان أخرى شتى لتنتهي بعزف الصلو الذي حول الساحة إلى أزواج من العشاق حيث كل ذكر يغازل أنثى فتستلسم له مثل غصن مياد يتهادي يمينا وشمالا، بل إن البعض انقض على هذه الفرصة فعانق نهودا ولمس شعورا ووضع شأنه خلسة على خط التماس مع شأن أكثر من واحدة من البنات على مرأى ومسمع من الجميع.

خلال ذلك رنَّ الهاتف وهاهي المرأة المكتنزة تستفسر عن صحة والدتي، ذهلتْ لضوضاء العزف والرقص، أجبتها بعبارت تلغرافية:
- كل شيء على ما يرام، والدتي شُفيتْ تماما، وهم يُعيدون الآن حفل عقيقتها، سيطلقون عليها اسما جديدا لأنها عادت من الموت، يعتبرونها مولودة جديدة..
- متى ستعود إلى الرباط؟
- غدا مساء.
- وإذن موعدنا غدا! حبيبي، باي باي !
ثم أمطرتني بسيل من القبل العميقة اللذيذة عبر الخط.

لم أجد في الرقص أي مفاجأة، بل رسَّخ المشهدُ قناعتي بالنظرية التي كونتها عن النساء بحكم الخبرة والتجربة: كلهن يعشقن الكذبَ والثناء على جمالهن وتصرفاتهن، ويعبدن الغناء والرقص؛ هو لهن مثل السجائر لمدمن التدخين؛ إن يتوتر ويقلق يلتهم كميات من التبغ لمقاومة التوتر والقلق، وإن ينتش ويفرح يلتهم كميات مماثلة تعبيرا عن الانتشاء والفرح. وهن برقصهن إنما يسعين للتفريج عن بؤسهن وشقائهن: تحرَّرن من التقاليد، ولكن المجتمع والحكومة تظافرا على إغراقهن في البؤس؛

يقول لهن المجتمع : «أنتن عاهرات أو منحرفات!» لمجرد أنهن كشفن عن بهاء أجسادهن وسقين أزهارن تجنيبا لها من الذبول، فيسعين، عبر التدخين والشراب، إلى احتمال ما لا يُحتمل، فيضررن إلى الاختفاء في أمكنة آمنة للممارسة «ذعارتهن» و«انحرافهن» بعيدا عن عيون المجتمع وحراسه. نصبتُ علما في منزلي أن هو ذا مكان آمن لكنّ فحججنَ إليه من كل فج عميق. ها هو السر الأول لحضوتي عندهن.
والحق أن فكرة الزواج بواحدة منهن رودتني مرارا، ولكن ما أن أخطو بضع خطوات حتى تلوح علامة «ممنوع المرور»؛ فالشرطية، مثلا، امرأة رائعة الجمال، وديعة ورومانسية، كريمة تغرق جليسها بالعناق والقبل، وتعطي زهرتها عن صدق لا عن كذب أو انتهاز؛ أكثر من ذلك هي واحدة من صاحباتي القلائل اللائي لا يدخنَّ ولا يسكرن، ولكن «غير وارد إطلاقا أن تتزوجي رجلا أقل من طبيب»، يشهر في وجهها أبواها كلما فاحت منها رائحة الرغبة في تجديد سرير نومها. وفي انتظار هذا الغودو الذي قد يأتي أو لا يأتي ها هي تجد نفسها مرغمة على «سرقة اللذة من رجال عابرين، أنت أحَدهم»، ردَّدت على مسمعي مرارا.... هذا ما خمنتُ أنها كانت تقوله برقصها الحزين، مثل ما قالته سيدة صالون الحلاقة يوم سقتها للمنزل؛ آية في الجمال، ابنة تسعة عشر عاما، ممشوقة القوام، تعلوني بحوالي 15 سنتمترا... استكثرتُ أن أنام مع هذا الجسد الملائكي الذي لا أرى مثله إلا في مجلات النساء وكبريات القنوات التلفزية العالمية والمنحوتات الإغريقية والرومانية وجداريات الكنائس. والله لم أصدق أنني الجالس أمامها، طفقتُ أسألُ نفسي:
- أحقا أنني سأقطف هذه الزهرة بعد قليل؟ أأنا الذي سيقطفها أم أحد غيري؟ !

ولكن بعد أن أصخت السمع لمأساتها وأثنيتُ عليها وراقصتُها تهادت مستجيبة لدعوتي مثل غصن مياد، بعد ذلك لم تكتفي بإشراع محرابها بسخاء فحسب، بل وعرضت عليَّ أن نتزوج:
- ولكنني أكبر منك بربع قرن يا بُنيَّتي!
- لا يهمني السن إطلاقا، والله إني لمستعدة للزواج من رجل عمره 50 عاما فما فوق!
ذكرني قسَمُها بإعلانات الزواج في مواقع عديدة بالأنترنت؛ حسناوات جميلات صغيرات، قلما تجاوز سنهن 25 عاما، يعرضن أنفسهن للزواج بعبارات تكاد تكون مُقَوْلَبة: «أنا فتاة جميلة ورومانسية، رهيفة الإحساس، أريد الارتباط برجل أوروبي، يتراوح عمره بين 40 و100 عاما، بعلاقة تؤدي إلى الزواج، أنا مستعدة لإعطائه كل السعادة التي يبحث عنها...»، إلى آخر الأغنية التي لا يقتضي فكّ شفرتها تكوينا في السيميائيات ولا الهريمنوطيقا ولا أي علم من علوم تأويل النصوص: «أنا عمري أقل من 25 عاما، أقبل الزواج برجل ليس في سن أبي فحسب، بل وحتى في سن جدي؛ أنا مذنبة، وذنبي الوحيد أن أحدهم أوهمني بالحب؛ أسمعني كلاما حلوا وأسكنني نعيما من الأحلام، فصدقته ونذرتُ له قلبي وجسدي، ولكنني ما أسلمته زهرتي حتى أدماها وأطلق ساقيه للريح، وتركني جريحة...».

قلت لسيدة صالون الحلاقة:
- ولكن شأني سينخفض في غضون بضع سنوات، بينما حديقتك لازالت فتية وزهرتك محتاجة لثلاثين سنة، على الأقل، من السقي والعناية!
- إن تتزوجني والله لن أفتح حديقتي لرجل غيرك! لئن أفعلُ فليعاقبني الله عقاب من تزاني مع أبيها. ثمَّ ضع في عقد زواجنا شرطا: ألا أغادر البيت إطلاقا...
- إيوا؟ ! والدخان والخمر؟!
- آه هذان لا! أتنازل عن كل شيء إلا هذين! ندخن معا ونشرب معا..

عندما أنجزتُ الحسابات وجدتُ أن ثلثي راتبي الشهري سيطيران مع التبغ والخمر. الله أكبر! ولنجعل من الخبز والشاي وجبة أزلية! تحسرتُ، ازدادت حسرتي عندما فطنتُ إلى أن ما وراء هذا الممنوع سوى عاهرة اسمها الحكومة. قلت والله لو كانت هذه الذاعرة امرأة لقدمتُ صومعتي فداء للأمة؛ لفجرتُها في محرابها إلى أن تستسلم وتؤدي فروض الطاعة والولاء للمواطنين، فترفع يدها عن ضريبة القيمة المضافة عن الشراب والتبغ إلى أن تباعَ علبة الجعة بربع دولار ونظيرتها من السجائر بنصف أو أقل، فيتزوج الجميع إلى أن لا يبقى في الأمة عازب ولا عانس، بل وإلى أن لا يشرب أحد من الجنسين خمرا ولا يدخن تبغا لأن الحياة ستصير قابلة للاحتمال.

آنذاك اعتذرتُ لها بكل صدق، فتفهمتني إلى أن أغذقت علي نعمها بكرم حاتمي؛ صارتْ تصل يوميا بيتي حوالي الساعة السادسة والنصف مساء، تطبخ العشاء وتأكل وتشرب وتدخن، ثم تدعوني لتدشين محرابها، فنتأرجح مقادر ساعة أو أكثر، حتى إذا حلت العاشرة ليلا حملت زهرتها وانصرفت لتضعها في المزاد العلني بكبريات فنادق المدينة وعلبها الليلية...

وعندما كانت تتعب وتريد قسطا من الراحة كانت تأتي إلى البيت محملة بخضر وفواكه ولحوم وقنينات خمر وتبغ، تقول لي:
- لن ير وجهي الليلة أي قواد أو لوطي! أريد أن أرتاح؛ والله لن يسجد في محرابي ولد امرأة الليلة ولو أعطاني 5000 دولار!

أفطن للتو أنني لم أكن على الدوام سوى «قواد» أو «لوطي» في أعين البنات اللواتي بددتُ عليهن ثروة أبي تبديدا في الحانات والمراقص والملاهي وكبريات الفنادق...

كانت تقسمُ ثم توفي القسم حقه، لا يثنيها عن قرارها أن تغوصَ في السكر مقدار 2000 ميل أو أكثر؛ تطبخ عشاء لذيذا، وتتفنن في تزيين المائدة، وتسكر وتدخن وتحكي لي مغامراتها وشجونها، ثم تنام بين أحضاني مثل طفلة صغيرة، بعد أن تدخلني جنتها.

وكنتُ أزعم تأليف كتاب عن احتراقها، بدل كتابي الحالي، لولا أن صبرها واستماتتها في الكفاح لتضميد زهرتها الجريحة تكللا بالنجاح؛ فقد هام مقاول ياباني كبير في حبها هياما شديدا، قدمته لي وقدمتني له باعتباري أعز أصدقائها. كان واضحا جدا؛ قال إنه لا يصدق هذه الهبة التي نزلت عليه من السماء؛ سيذر عليه هذا الزواج ثروات طائلة، لم يحلم بها من قبل، بمجرد ما ينشر صورة زوجته رائعة الجمال في لوحات الإعلان بمصنعه وأنفاق ميترو طوكيو التي يرتادها يوميا نمل من البشر، ناهيك إذا وضعها في علب منتوجاته أو ورق تلفيف السِّلع... تسائلتُ: هل تزوج المرأة أم الصورة؟ تركت حكم هذا الزواج لما ستأتي به الأيام من أخبار!

هذا ما كنتُ شاردا فيه بعد استعادة المنزل صفاءَه عندما اقتلعتني ضوضاء بباب المنزل، خرجتُ وها هو موكب أضخم من الأول؛ وصل خبر «زواجي» إلى المدرسة فأعلن اليومُ يومَ عطلة واكتتب المعلمون والمعلمات والمدير واشتروا هدية وجاؤوا يباركون «زواجي» الجديد، ليتكرر إخراج وعرض الشريط السينمائي السابق نفسه عدا اختلافات بسيطة؛ تهيَّب المعلمون والمعلمات الرقص فيما أبان المدير عن موهبة عظمى فيه؛ كان يحرك كيفيه ويلتوي يمينا وشمالا وينط في الهواء كأنه يعرض شرحا تطبيقيا للرقص على نحو ما يسوقه الشيخ ابن قيم الجوزية في كتابه «إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان»... ما هذه الفرحة العظمى؟ أهو الرقص الصادق أم مجرد كذب وتمثيل؟ والله من ينظر هذا الرقص لن يجد له إلا أحد ثلاثة تفاسير:
- إما أنني كنتُ ملق بشباك صيدي على زوجة المدير وبناته وها هو يتنفس الصعداء لأنني لن أصير أعزب بعد اليوم؛
- أو هو منتش فرحا لإخلائي ساحة المرأة المكتنزة حيث صار بإمكانه، من الآن فصاعدا، خوض ملحمة جديدة معها بكل اطمئنان؛
- أو أنه يتشفى برقصه هذا لوقوعي في فخ الزواج مجدَّدا، أنا الذي كنتُ أردد عليه حرفيا قول نسرين أصغر صويحباتي:
- إياك والزواج! إنه صداع للرأس وسجن رهيب !

ولم أكن أضيف أبدا ما كانت تشفع به التحذير السابق؛ كانت تهدد:
- إن تتزوج والله لن تر وجهي ثانية! لن تفرحَ مني ولو بتحية في الطريق!

نسرين هذه التقيتُ بها في خزانة المعهد الثقافي الفرنسي؛ كانت تقلب كتبا في الفلسفة، فاستكثرتُ من هذه الصغيرة الشقراء متوسطة القامة وردية اللحم البحث في فهارس كتب عمالقة في الفكر الفلسفي، مثل كانط وسارتر وفتجنشتاين. عرضتُ خدمتي، استجابت بسهولة أدركتُ منها أنها هي الأخرى كانت متربصة بي، فما مرت دقائق إلا ونحن في أقرب مقهى، أظهرتُ لها دعوتي فاعتنقتها عن طيب خاطر؛ في اليوم الموالي هربت من الثانوية وقضينا أمسية ممتعة جميلة، وضعنا برنامجا مزودجا لما تبقى من السنة الدراسية: أمنحها دروس تقوية في الفلسفة وعلم الكلام واللغة العربية، وتنذر محرابها لشأني ، وكانت مؤهلة لذلك؛ هي أيضا من ضحايا التزحلق وقطاف الأزهار؛ كانت زهرتها جريحة لم يمض على قطافها سوى بضعة أسابيع؛ دوَّخ رأسها الصغير عامل مهاجرٌ بسيارته الفاخرة والوعود النعيمية إلى أن منحته زهرتها، لكنه بمجرد ما قطفها أطلق ساقيه للريح وصار في حُكم المفقودين، فكان مني أن أكملتُ القطافَ إلى أن صار المحراب جاهزا للصلاة فتفرغت فيه للعبادة. بالموازاة مع ذلك درَّستها مواد الفلسفة والأدب واللغة الفرنسية إلى أن صارت نابغة وحصلت على الباكالوريا بميزة حسنة جدا، ولكنها ما وطأت أعتاب الحرم الجامعي حتى اتعست رؤيتها فلاحت لها آفاق أخرى؛ شنت فتوحات مقدسة في شؤون كبار موظفي الطيران وفنادق الخمس نجوم ومديريات ووزرارت إلى أن وقعت على صيد ثمين: تزوجت بموظف سام في إحدى السفارات الأوروبي، وآخر أخبارها أنها رزقت منه طفلان. والله ما كلفتني ثروة ولا مبالغ كبرى؛ هدايا بسيطة من حين لآخر، كل ما كانت تطلبه مني هو أن أغذق عليها الحنان لا غير. وذاك ما كنتُ أفعل؛ فبمجرد ما تصعدني فوق أرجوحتها، أطيل النظر في وجهها وأقبل عينيها وأعبث بخصلات شعرها وأنا أرَتِّلُ:
- أي حبيبتي ونور عيني! أي قطتي! أنا الآن في محراب معبوديتي! أنا الآن في محراب معبودتي! لأسقينَّ حديقة حبيبتي سقيا!
- نعم، نعم، نعم، نعم

تقول بغنج منكسر حزين، وهي تمنحني ما هو أشد حميمية فيها إلا أن يُخيَّلُ إليَّ أنني بصدد العودة إلى رحم أمِّي الحنـون...
قضيت عشر ساعات كاملة في النوم جراء تعب يوم أمس وسهر ليلته الذي تواصل إلى غاية ظهور غبش الصبح حول كؤوس الخمر ومأدبات الأكل والضحك والثرثرة. نالت مني الثمالة إلى أن أوجعني رأسي؛ كأنه بصدد الانشطار إلى نصفين. في غمرة الصحو خامرني شك كبير في أحداث أمس بكاملها؛ والله ما تكون قصة الهدية والرقص المحموم لصاحباتي سوى من مفعول مخدِّر؛ لا شك أن سليطة اللسان فعلتها مرة أخرى! دسَّت مسحوقا مهلوسا في القهوة والمشروبات الغازية التي حرصت حرصا شديدا على إحضارها للزائرات. والمخدر هو الأصل ليس في مشهد الخصومة بين جماعتها والشرطية، بل وكذلك وراء موكبي هديتي العرس. فعلتها إذن؟! حسنا. كان من ألطاف الله أن الأمر لم ينقلب إلى كارثة؛ لو أطلقت لشرطية النار لتحول طقس التبريك إلى مأتم ولطوفتنا الشرطة تطوافا عبر مكاتب التحقيقيات التي وحده الله يعلم ما كانت ستفضي إليه.

لو لم يكن للأحداث السوريالية التي عرفها منزلي يوم أمس من فضل سوى تخليصي من سليطة اللسان لكان ذلك كافيا، بل إني لعلى على أتم استعداد لتخليد أسبوع آخر في استقبال مواكب الهدايا وإقامة الأفراح والولائم والمأدبات إذا اقتضى الأمر لرحيل هذه البنت رحيلا أبديا من حياتي. فهي من الصفحات السوداء التي ساقتها لي مغامرات العزوبة في مجتمع يمنع رسميا كل علاقة جنسية خارج مؤسسة الزواج ويُخضعُ السلوك الجنسي للفرد لرقابة شديدة. هي واحدة من ضرائب العزوبة الباهضة. ابتزتني اللعينة ابتزازا؛ تعرفتُ عليها في مقهى للشراب الحلال، كانت جالسة وحيدة تبكي إلى أن احمرت وجنتاها، أشفقتُ عليها، دعوتها للمنزل، ولم أقصِّرْ في استضافها؛ اشتريتُ ديكا بلديا وقنينتي خمر، طهيتُ عشاء لذيذا، وجلستُ أشربُ وأنصتُ لقصتها، مزقت قلبي مأساتُها؛ هي الأخرى أدمى زهرتها رجلٌ بعد أن وعدها بالزواج ثم اختفى الاختفاء الأزلي، وتركها حبلى. وخوف الفضيحة وقلة ذات اليد للإجهاض هما ما كان وراء بُكائها في المقهى. في نهاية السمر، أخرجتُ مبلغ 50 دولارا وسلمته إياها، اقترحتْ أن ننام في سرير واحد، استعظمتُ ذلك، ألحَّت إلحاحا شديدا، لم أستجب. في الصباح، تناولت وجبة الفطور معي، ولما تهيأتُ لوداعها، عرضت علي زهرتها، لم أستجبْ، غضبتْ، لحظة الداع قالت:
- والله إنك لحمارٌ! لم يسبق أن رأيت أغبى وأبلد منك!

ثم أطلقت ساقيها للريح دون أن تترك لي أية فرصة لثنيها عما ذهبت إليه، ربما خشيتْ أن أضربها أو أسترد منها المبلغ الذي تصدقتُ به عليها. ولكن بعد مرور أسبوع عادت إلى المنزل. كان الوقتُ ليلا، وكانت معي نسرين في أول ليلة تقضيها خارج بيت أبويها كحق طبيعي لها بعد أن التحقتْ بالجامعة؛ زعمت لأهلها أنها ستقضي الليلة في المراجعة مع زميلات لها يُقمن في الحي الجامعي. انكسرتُ لحال الزائرة، رحَّبْتُ بها مُجددا، أدخلتها المنزل، لكنها ما رأت معي بنتا حتى ثارت ثائرتها، تحولت إلى شرطية أخلاق، سألتني عن نوع العلاقة التي تربطني بنسرين، ثم أمطرتني بالشتائم بصوت عال، حذرتها من إزعاج الجيران، وفيهم متزوجون، وقفتْ على نقطة ضعفي؛ أمعنت في رفع صوتها إلى أن صار مسموعا من خارج البيت:
- تعالوا ياجيران! هذا الحمار لا يحترمكم! يا جيران! تعالوا انظروا هذا اللوطي! هو يشرب الخمر رفقة عاهرة !

هرع سكان العمارة إلى البيت إلى أن امتلأ بَهوُهُ عن آخره، انفجرتْ سليطة اللسان بالبكاء، استحوذت عليها نوبة هستيرية، هدَّدَتْ بالصعود إلى أعلى طابق في العمارة وإلقاء نفسها منه. السبب؟! زعمت أنني وعدتها بالزواج، وأدميتُ زهرتها، وأنها الآن حبلى مني، وأنها ضبطتني متلبسا بالخيانة. سخرتُ كل مجهوداتي لإثناء الجيران عن تصديقها، ولكن كلمتها كانت أعلى، وجمالها كان أكبر من أي حجة أسوقها:
- حرامٌ عليك يا أستاذ! تزوَّجْها! تزوجها!
- مسكينة! والله لا تستحق كل هذا!
- أوه ! كم هي جميلة! والله إنها لتحبه!

في غمرة انشغال الجميع أطلقت نسرين ساقيها للريح، في اليوم الموالي أخبرتني بأن التيه ساقها إلى ملهى ليلي راق. هناك قضت الليلة مع خليجي مقابل 2000 دولار، فيما رتبت مع خليجي آخر للقاء في فندق آخر كي «يفتض» بكارتها مقابل 5000 دولار! منذ تلك الليلة تصدَّع جسدُ نسرين، وصار عليَّ انتظار دوري في طابور طُلاب قطف زهرتها في الليالي التي كانت تسرقها من أبويها.. أما سليطة اللسان، فأفضت مفاوضات الجيران معها ليس إلى ضرورة إيوائي إياها الليلة فحسب، بل وإلى منحها تأشيرة المجيء إلى منزلي متى شاءت على مرأى ومسمع من الجيران، وأقصى تنازل نلته منها هو أن تسمح بتواجد بنات ونساء أخريات ببيتي في حضورها دون أن تقيم القيامة مُجددا. فيما بعد، أسرت لي ذات ليلة سُكرية كبرى بأنها تدمن تناول مُهلوسات تشتريها من مهربين يُحضرونها من مدينة سبتة، وأن فرط تناولها هو ما أملى عليها إلقاء نفسها من أعلى العمارة يوم وجدتني رفقة نسرين.

ما أن انصرف الجيران حتى استعادت سليطة اللسان هدوءها بشكل مريب؛ أعادت على مسمعي شريط الليلة المشؤومة التي ساقتني الشفقة إلى استضافتها حتى إذا حان وقت النوم عرضت علي أن ننام في سرير واحد، لم أجد بدا من الاستلام، تهيأت للصعود فوق الأرجوحة، اكتشفتُ نفسي أمام فتاة لا علاقة لها إطلاقا بالحسناء عارضة الأزياء رقيقة الصوت التي كانت تقطر أنوثة في المقهى ولحظة بكائها أمام الجيران؛ أزالت ملابسها بسرعة البرق، وتمددت، ثم رفعت عموديها إلى السماء وطوتهما، وأشرعت محرابها في لمح البصر، وأكره أنواع النساء عندي ذاك الذي يجهل طقوس الجماع. أكثر من ذلك، بمجرد ما ركبتُ أرجوحتها، ملأت الغرفة صُراخا:
- مَزِّقني! اضربني! اشتمني!
بصوت عرَّاها حتى النخاع لتبدو، خلافا لجميع مزاعمها السابقة، ليست بنتا رباطية أبا عن جد وتلميذة منقطعة عن الدراسة من مستوى الباكالوريا، بل ريفية نزلت حديثا من إحدى قرى المغرب الشرقي، ليس لها من التمدن إلا القشور. هالني هذا التناقض الصاخب بين الشكل والجوهر، شعرت بالقرف. تضاعف قرفي في الصباح عندما سلمتها مبلغ 30 دولارا عن قطاف لا تتجاوز قيمته الحقيقية دولارا واحدا أو اثنين...
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://aflcine.ahlamontada.com
 
امرأة من سلالة الشيطان ج8
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
جمعية الاخوين لوميير للسينما :: أفضل الروايات :: امرأة من سلالة الشيطان-
انتقل الى: